المنجي بوسنينة

665

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وقد أوردت المصادر تفاصيل ذلك [ نشوار المحاضرة ، 2 / 329 - 330 ؛ ومعجم الأدباء ، 14 / 186 ] . وصفه الذهبي [ العبر ، 2 / 260 ] بأنه « من أذكياء العالم ، رواية الأشعار عارفا بالكلام والنجوم » وهي عبارة اقتبسها اليافعي ، وابن العماد الحنبلي وحرفت كلمة النجوم إلى ( النحو ) . ونعته ابن حجر بأنه : من بحور العلم والأدب [ لسان الميزان ، 4 / 256 ] . وقال عنه ابن تغري بردي الأتابكي بأنه « كان فقيها حنيفا بارعا في الفقه والأصول والنحو ، وكان شاعرا فصيحا » [ النجوم الزاهرة ، 3 / 310 ] . وقال ابن خلكان : « كان عالما بأصول المعتزلة والنجوم » [ الوفيات ، 3 / 366 ] وقال الصفدي : « وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا كثيرا ، وكان في الفقه والفرائض والشروط غاية . واشتهر بالكلام والمنطق والهندسة . وكان في الهيئة قدوة . . » [ الوافي ، 21 / 460 ] . وقد مرّ بنا ما قاله الثعالبي عنه . ومما دلّ على حصافة المترجم له وحكمته وحسن تعليله وعدم تكبّره رغم ما أحاط به من علوم ، قوله في مجلسه ذكر رجل كان صغيرا فارتفع ، فقال بعض الحاضرين : من ذاك الوضيع ؟ أمس كنا نراه بمرقعة يشحذ ! ! فقال التنوخي : وما يضعه إن الزمان عضّه ، ثم ساعده ، كلّ كبير إنما كان صغيرا أولا ، والفقر ليس بعار ، إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه وأهل العلم خاصته لا يعيبهم ذلك . وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع ، أو فقيرا فاستغنى ، أفضل ممن ولد في الغنى أو في الجلالة . لأن من ولد في ذلك إنما عمل له غيره ، فلا حمد له هو خاصة فيه . ومن لم يكن له فكان ، فإنّما بجده أو كدّه وصل إلى ذلك ، فهو أفضل من أن يصل إليه ميراثا ، أو بجدّ غيره ، وكدّ سواه [ نشوار المحاضرة ، 2 / 100 ] . تركت الطبيعة أثرها في شعر التنوخي ، وكان أثر الطبيعة الصامتة أبرز وأظهر في الصبابة المتبقّية من شعره . فقد وصف السماء ونجومها ، والليل ، والرعد ، والبرق ، والريح ، والشمس ، والبرد والنار ، والديار الدارسة ، والرياض ، والزهور ، والأنهار ، والثمار . وإذا كان بعض الشعراء قد وصفوا هذه الأشياء أو بعضها في معرض المديح ، فان التنوخي جعل وصفها غرضا أساسيا من أغراض شعره ، وفي مدة مبكرة من حياته ، نلحظ ذلك بوضوح في مقصورته التي نظمها وهو في العشرين من عمره . وقد كان لمخيّلته أثر كبير في إبداعه . وإذا كان التشبيه ثمرة ابتكار القوة المخيلة ، فإن أعلى درجاته ، تشبيه المحسوس بالمعقول . وهو ضرب من التشبيه لا يقدر على تخيّله إلّا فحول الشعراء ومن كانت مخيّلته صحيحة وذوقه لطيفا وكان التنوخي واحدا من هؤلاء الفحول الذين أجادوا تشبيه المحسوس بالمعقول ، ولعلّ مما ساعده في ذلك سعة معارفه ، فهو فقيه ، ومنجم ، وعروضي ، ونحوي ، وأصولي ، ومتكلم ، فضلا عن سعة محفوظه . إن تعمقه في الفقه وممارسته مهنة القضاء زمنا طويلا قد رفدا مخيّلته الشعرية بتشبيهات نادرة مثل قوله : وكأن النجوم بين دجاه * سنن لاح بينهن ابتداع